كَــلَالِــيــبْ

غريبة هذه الحياة!

وطُوبىٰ لِغُرَبائِهَا..


يأتي خريفها لتتمايز صفوفها!

لتتساقط تلك الأوراق المهترئة من الأشجار التي لطالما كانت يانعة خضراء، وصَبُوحَة فَاتِنَة؛ قبل أَنْ تُولد!


وأعجبُ منها النّفس الأَمّارَة بالسّوء!

لها كلاليب رفيعة..

تتخطف النفوس الوضيعة..

تتخطف الإنسان من طريق الاستقامة والاستواء لله تعالى، إلى طُرُق الغِوَاية والالْتِواء عن الله تعالى!


تجاهد نفسك..

ليسَ عاماً واحداً.. بل جَيْشاً من الأعْوَام!

تتعلم الصّدق سِنين مِن حَياتك.. بَلْ عُقود..!


لَقَد قَطعت الكَثِير مِن الأَمْيال!

وخُضْت الكَثير من المخاطر في سبيل الله!

وتنقّلت بين ساحات ضارية، وخنادق حامية!


وأنتَ لا تزال عَبْداً مُجَاهِداً صَبُوراً في مُخْتَبر الحَيَاة القَصِير!

مُستمرّ بِمُجَاهدَة كَلَالِيب الدّهر، ونفسك الأَمّارَة بِالسُّوء عقداً كَاملاً..

أو عُقوداً رَابِيَة من الزّمن!


تُجاهد هذا القلب الذي ما لبثت به الحياة، ورياح الفتن؛ تُرِيدُ أنْ تَمِيلَ بِه بَعِيداً عَنِ الطّرِيق!


تُجاهد هذه النّفس حتّى تَكُونَ صَادِقاً صَالِحاً فِي حَيَاتك..

حتى تصل إلى مُرادك وغَايتك في رِضَىٰ الله..


حتى تُحطّم بالطموح القَويم والاعتدال..

جِبَال الهَوىٰ والضّلال!..


ولكنّ المفاجأة..

تأتي بعد الجهاد الطّويل على مدار تلك السنين..


رغم المشتّتِات الكَثِيرة!

رُغْمَ الفِتَن الكَبِيرة!

رُغْمَ زَيْغ الأَقْرَبُون والأَبْعدُون!

رغم قلّة المُحكّمين لعقولهم!

حتى من كُنّا نَظُنّه مَحلّ قُدْوَة لَنَا؛ كَانَ لديه الكثير من المَثَالِب في هذا البَاب!


بعد مرور زمن من المطارحات، والسّجالات الطاحنة،

إبتداءً بنفسك الأمارة بالسوء!

وانتهاءً بشياطين الإنس والجنّ..


هناك.. على قارعة تلك المرحلة..

بَعدَ أَنْ نَمَت شَجَرَة الإِحْسَان في روحك..

وَأَغْدَقْتَهَا رَيّاً لَيَالِ الجِدّ والمُثَابَرة.. ستتفاجأ!


نعم تتفاجأ؛

أن الطّريق لا يكَاد يسعك!

وأنّ الزّمان والمكان تكادان تتبرءآن منك!


ستخسر معظم معاركك وعلاقاتك..

وحتى الكثير من احتياجاتك؟!


وهناك في كتاب التضحيات..

ستزيد لديك اسماء القائمة بالكثير من الأشخاص المُتَسَاقطين.. ستُضَحّي بالكَثير!

لأن سلاح زمانك الكَذب، والمَكْر، والخِدَاع..

وفِئَام المُحِيطين بِك رضعوا من ثدي إبليس..

بعضهم نَاهز الستّين رضعة..

وبعضهم لازال يرضع حتّى يومه!


ليس الزمانُ زمانُك..

ولَيْسَ المكان مكانك..


ذلك الطبع الخسيس لا تكفره التوبة ولا الاعتذار..

سيعود بعد حين، بنفس السموم التي كانَ يسقيها مَن حَوله..

الحلّ؛ أن تحمل حقائبك وتهجره..


أتذكر في هذا السياق حديث الحبيب -ﷺ- قال: "الناس معادن كمعادن الذّهب والفضّة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"..


تلك المَعادن الطّيبة ستشاهد شواهد ومشاهد طيبتها في جميع المراحل والأحوال..

لَنْ تُغَيّرها الظُّروف والمناخات الجائحة!..


ربّت على كتفيك..

وَاسِ نفسك بنفسك..

حَسْبُكَ أنّك شابٌّ نشأ في طاعة الله..

لَمْ تعرف السيئات ولا المآثم من صِغرك..

ولم تعرف المُنكرَات إليكَ طريقاً!

ولم تعرف أنتَ لها طريقا!


ذاك شَرف وأيُّ شَرف..

أَنْ يُظلّكَ الله في ظِلّه؛ يوم لا ظِلّ إِلّا ظلّه..

لقد نشَأت شَاباً طموحاته الله! وغايَاتُه سَمَاويّة!

ليس لهُ من حُطَام الدُّنيا حتّى فُتاتُ أُمنيات!

كأنّكَ وُلِدتَّ للآخِرَة..


يا لهذه الأجساد الطينية الأرضية، تَحِنّ إذا صفت لأرواحها السماوية..

الروح نفخةٌ من الله في هذا الجسد البالي!

كأن هذه الروح تنمو نماءً أكثر من نمو الجسد.. بلا توقف..

حتى تشعُر وكأنك من على الأرض تُرفرف بينَ كَوَاكِب السَّمَاء!


الروح نافذة السكينة والقبضة التي بقيت لنا من آثار الملأ الأعلى، ولم تزل ترفعنا عن التراب، وتسمو بنا إلى المعالي، وتنسج ما بين اثنين نسيجا لا يتخرق، وتجمعهما في ميثاق لا ينفصم!


والروح منبع الصفاء والنور، فمن تبع آثارها والتمس أسباب غذائها نمت، وبسطت أنوارها على جسده وحركة حياته!

فصار كل ما يكون منه على قانونها، مراعاةً لمحابها، وثمرةً لتجلياتها!

وهي التي يكون من ورائها ثمار السكينة وعافية الأخلاق وجمال الدنيا والآخرة!


والروح سرّ التآلف كما في الحديث النبوي الشريف، ذلك السّر الذي يخترق سُور الأعمار، والألوان، والبُلدان، والثّقَافات، واللغات، والمسافات!


وهي مِرآةُ الصّدق الذي لا زَيف فِيه، فَمن كَان مَوصُولاً بِأرْواحِنَا سكنّا إليه ولو تباعدت الأسباب واختلفت!

‏ومن لم تباعدنا عنه وجفوناه، ولو تآزرت الأسباب واجتمعت!


إنّمَا هُوَ سُلطان الرّوح الآمر الناهي!

فسبحان من خلق الأرواح، واصطفىٰ القُلوب، وخَبّأَ غُيوبَها عَنِ الناس!


استطردت كثيراً عن الروح🙄!



ختاماً؛

نصيحتي لگ..

استدرك نفسك..

وأعظمُ استدراك..

أن تدركها فلا تتركها..

إِيّاك أَنْ يعرفها الغريب أكثر منك، وإِيّاك تؤنسك الجماعة أكثر منها..


لا تكن معها لحظيًا..

بَلْ قدّس نِعْمَة اللحظة..


وتَيقّن أنّ اللَّه مطّلعٌ على سرائرها..

مُوْلَع أنت بهذه الفكرة، أن اللَّه بِجَلالِه يُوليك نَظره وعِنَايَتِه!

فَتَتَلهّف تَلهُّفَ المُشتاق، الذي لم تستكنّ نبضات قلبه، مع عُمْق تأمّله!


أي ربي،

أزل الحُجُب عَنّي،

وخذ بيدي وكُلّي إليْك، ولنفسي لا تكلني..

ثُمّ ضع يدك على قلبك المُلتَاع؛ وَردّد:

اللهمّ أنتَ أنتَ في قلبي أولاً،

رضِيَ من رَضي وسَخِط مَنْ سخط..

لا أنا مُنشغل بغيرك، ولا هي وعورة الطريق تمنعني عنك..

أتلذّذ بالسير إليك،

تشغلني لحظة الوصول كَثيراً،

وأرجو أن أكون من القليل،

طموحاً ذَا همّةٍ وهَدَفٍ إِليك..


أُحبّ رَسائل السّمَاء حينما تَهبطُ بسلام عليّ في المواقف الحَرِجَة.. كانت سِهَام الدُّعَاء تقتل البلاء أمامي..


سُبحَانك ما خُذلت الأَكُفّ المرفوعة إليك يوماً..

يا الله..

ها أَنَا أسِيرُ إليك، بعرجتي وعثرتي..

وعيبي، وسَوْأَتِي..

ولا يُشْغلني إِلَّاك، فَدَعنِي أَرَىٰ أَثَرَ قَبُولِي،

إنّي هُدتُ إليك..

مُدْرِكْ الثَّارَات