رَاعِي النُّجُوم
ظللتُ عُمُرًا أرعَىٰ الفتيانَ رَعْيَ النجوم، ألمحُ في دواخلهم وهجَ النُّور، وإن تَوَشَّحوا بحُجُبِ الأجساد التي تطوي داخلَها ما تطوي، وأتَسَمَّعُ وقعَ أقدامِ الزَّمَن دَاخِل صُدورهم، ونَغَمَات عَزْف المستقبل في نفوسِهم..
وأرقبُ انبعاثَ فجرِ الشبابِ من بين ضبابِ الطفولة..
زُهورٌ تتفَتّح، وشُموسٌ تَنشقُّ عنها عَتمةُ الأفق، وها هو ماءُ الشبابِ يجري في تلك الغصون الغَضّةِ النَّضِرة، وبريقُ الفضولِ للحياةِ يـَمْلأُ أَسَارِيرَهم الـمُتَرقبَّة، وأَنوارُ الدّهشةِ تتلألأُ في قَسمَاتِ وجُوهِهم الـمُفعمة بالحياة..
وفي كلِّ فتًى طَريرٍ كنتُ أُبْصِرُ سرَّ الحياةِ الدفين..
ذَلِكَ السرَّ الإلهيَّ الذي حَبَا بِه البَارِي كُلَّ حَيٍّ، فَسَرت فِي تِلْكَ الـمُضَغِ الـمَيّـتـةِ نَفخةٌ مِن روحِ الله فإذا هي نابضةٌ بالوجود!
هَذِه -إذن- كُنوزٌ تَسِيرُ عَلى الأَرْضِ، مُعجزاتٌ حيةٌ ناطقةٌ بِقُدْرَةِ الـخَالقِ العَظِـيم، تَسِير في مَناكبِ الأرضِ تحمل بين حناياها سِرًّا مِن أَمْرِ رَبِّـنَـا، ومَا تَزَالُ تَـحْمِلُه أَبَدًا مَا عَاشت..
كُلُّ فَتًى مِنْ هَؤُلَاء الفِتْيَان خَلْقٌ مُعقَّدُ فِـي تَكْوينِه، مِزَاجُه مُرَكَّبٌ من أَلْفِ سَبَبْ؛ بَينَ ما وَرِثَه، ومَا اكْتسَبَه، وَمَا لَـحِقَه فِـي طُفُولَته، وَمَا تَسَرَّب إِلَيهِ مِن بيئته، وما أُلْهِمَه إلهامًا، وما انفجرَ من نفسِه، وقل ما شئتَ..
هَذِه -إِذن- أَغْلِفَةٌ مُتَبَايِنَةُ الأَلْوَان، تَطْوِي دَوَاخلُها شَـيئًا عَظِيمًا، وَسِرًّا خَالدًا مَـحْفُوفًا بِالغُمُوض..
كانَ بَيْنِي وَبينَهم مِنْ ذَلك السرِّ سرٌّ، رُبـَّمَا هُوَ شَيءٌ مِنْ تَـآلُف الأَرْوَاح التّي تَتَعَارف..
وَكَانت لِـي عَادَةٌ قَدِيـمَةٌ مُتَأثِّلةٌ فِـيّ، أَنَّـي أَرْقُبُ الـمَرْءَ حِيناً مِنْ الدَّهْرِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بَيننَا صِلَةٌ أَوْ يـَجْرِيَ بَيْنَنا حَدِيثٌ، فَتَنْطَبِعُ صُورَةُ رُوحهِ في فُؤَادِي، ثُـمَّ تُصَدِّقُهَا الأَيَّامُ بَعدُ أَو تُكَذِّبُـهَا، فَكَمَا تَرى، هِيَ وَشِيجَةُ أُلْفَةٍ ووُدٍّ أَصْنَعُهَا عَلَى عَيْنِـي، فَكَانَ الفَتَى مِنْهُم يُبْصِرُهَا نَـاطِقَةً فِـي عُيونِـي، وإِنْ كَفَّ عَنْ تِبيَانـِها لِسَاني قَلِيلًا..
كَانَ مِيثَاقُ الصِّدقِ أَوْثَقَ مِيثاقٍ أَمْنحُهُم إِيَّـاه، بِلسَانِ حَالِـي لا مَقَالِـي، ثُـمَّ أُزاوِجُ الصِّدقَ بِالرِّفْـق، ثُـمَّ أَحُوطُهم بِسيَاجٍ مِنْ الأَمَان والحِرص، وأفتحُ لَـهُم صَفْحَةَ قَلْبِـي بَـيْـضَـاءَ نَقَيّةً يَـنْـقـشُـونَ عَليها مَا شَاءُوا مِن خَبَايـاهُم وأَخْبَارِهم، وَلُكلٍّ مِنْهُمْ صَفْحَةٌ لَا أَخْلُطُ مَعَهَا غَيْـرَهَا..
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ أَصِيلًا فِـيَّ لَا أَتَكلَّفُ شَـيْئًا مِنْهُ، بَلْ يَكُونُ عَلَى قَلْبِـي أَخَفَّ مِنَ النَّـسِـيمِ العَـلِـيل..
أَوْ هَكَذَا أَزْعُم عَلى كُلِّ حَال..
إِنَّ هَذا الـمَخْلُوقَ الصَّغِيرَ الذي للتّو تَفتَّحت أَوْرَاقُ نَفْسِه، وَأَزهَرَت أَلْوانُ فُؤادِه، مُفَارِقًا بَدَاهةَ الطُّفُولَة إِلَـى عَتَـباتِ الشَّـبَاب -ومَا أَدْرَاكَ مَا الشَّــبَــاب-!..
جَاءٍ إِليكَ يَسْعَى بـِحُمولةٍ هَائِلَةٍ تَكَادُ تَنـقضُ ظَهرَه!
أَوْ سَاعٍ إِلِيكَ بِأَحْلَامٍ تَلْمَعُ فِـي سَـــمَاوَاتِ نَفْسِه كَالنُّجُوم، أَوْ آتٍ إِليْكَ يَـجُرُّ أَعْطَافَ الزَّهْوِ، أَوْ تُكَبِّلَهُ كَلَالِيبُ اليَـأْسِ، أَوْ تَأْكُلُ طُيورُ التِّـــيه مِن رَأْسهِ!
آهٍ عَلَيْكَ أَيُّــهَا الـمِسْكِين الصَّغِير، أوَ كَربٌ ومَا عَرَكَتْكَ الأَيَّامُ بَعدُ!
يَا لَـهْفَ نَفْسِي وَلهفَ الوَاجِدِينَ مَعيْ *** عَلى النُّجُومِ التَّي تَغْتَالـُهَا الحُفَرُ
كُنْتُ أَنْظُرُ لِكُلٍّ مِنْهُم نَظرةً فَاحِصَةً تَتَجَاوزُ بـهرجَ الخَارجِ إِلى حَقِيقة الدَّاخل، وأُسائلُ نَفسِي؛ مَا الذي يَـمْنعُ أَنْ يَـكُونَ هَذا الفَتَـى أَوْ ذَاكَ، نَـجْمًا لَامِعًا مُسرْبَلًا بِأَثْوَابٍ لَا تَشِفُّ عَنْ مَعدَنه اللَّامعِ الدُّرِّيِّ؟!
لِـمَ لَا يَكُونَ كَنزًا مَـخْبُوءًا تَـحْتَ تُرَابِ الظَّاهرِ وَأَحْجَارِ الإِلْفِ والعَادَة؟
لِـمَ لَا تُسَاعده عَسَى يَكونُ نَـجْمًا مِن نُـجُوم الأَرضِ الـمَـطْوِيَّــة فِـي زَوَايَـا الإِهْـمَال؟
لِـمَ لَا تَكْتشِف؟
ابْـحث، وَلعلَّ صَخرتَه تَتفَجَّرُ عَن يَنَابِيعَ ثَرَّةٍ لَا يَنضَبُ مَاؤُهَا وَيْعظُم عَطَاؤُهَا..
تُرىٰ.. ما الذي يَنقُصُهُ؟
هل كَلِمَةٌ مَا يـُجْرِيَها اللهُ عَلى لِسَانِـي تَفتحُ مَغالِيقَ فُؤَادِه؟
ثُـمَّ.. أَيّ كَلَمةٍ هِي؟!
هَل بَسْمَةٌ تَفكُّ يَبَسَ قَلبِه؟
هل كتابٌ؟
هل علمٌ؟
هل فَنٌّ؟
هل مَسلكٌ من مسالك الدنيا العديدة التي لا تنتهي؟
وأيُّهَا هُو؟!
أَيْنَ مِفْتَاحُ رُوحِه؟
كَيْفَ أَلْقَاه؟!
وَإِلَّا.. أَفَهذِه أرواحٌ تَئنّ؟
أَهَذِه الأَجْسَادُ -أَغْلِفَةُ الأَرْوَاحِ وَمَرَاياها- حَامِلةٌ لِـهَمٍّ ثَـقيلٍ بَين جَنَباتِها يَقَضُّ مَضَاجِعَهم؟
وَأَثْقَالٍ تُرهقُ كوَاهِلَهم؟
أَيَعَيِشُونَ بِنُفوسٍ مُعَذَّبةٍ تَـحتاج مَن يَـنْـتَـشِلُـهَا مِنْ بَرَاثِن الضَّيَاع؟
ويَستَنْقِذُهَا مِن حُفرِ التِّيه التّي تَـتّسعُ دَاخَلهم حَتّى لَتوشِكَنَّ أَنْ تَبْتَلِعَ صَاحِبَهَا فَلَا تَتْرَكُه بَعْدُ إِلَّا مِزَقًا مُبَعْثَرةً، وَأَشْلَاءً مُـمَـزَّعةً، وَنُفَوسًا مُفَزَّعةً، وَأَجْسَادًا مُفرّغةً مِنْ جَوَاهرِهَا؟
مَأْسَاةٌ وأيّ مَأْسَاة!
وهَمٌّ وأيّ همّ!
وَأَلْفُ سُؤَالٍ وسُؤالٍ كَانَ يَمُرُّ على خَاطري، يَحثُّنِي حَثًّا رَفِيقًا، وَيَدْفَعُنِي إِلَيْهِم دَفعًا حَانِيًا رَقِيقًا..
ولَا أَمْلِكُ اليْومَ -وأَنا أَبعدُ مَا أَكونُ عَن تِلك السَّبِيل- أَنْ أَقُولَ لَك؛
إِنِّـي قَد فَعلتُ، لَكِنِّي -بِـمِلءِ فِـيَّ- أَمْلِكُ أَنْ أَقُول؛ إِنِّـي قَدْ حَاولتُ حتّى عَيِيت، وَلعلَّ لِـي إِلَيْهِم رَجعةً مِن جَديد..
وَتَفَاصِيل الحِكَايات أوسَعُ مِن أن يُحصيَها بياني..
وبِالله الهُدى إلى أحسن المسَاعِي، والبَلَاغُ إِلى أكرمِ الـمَنَازل والمرَاقِي..