إذْ نَادى ربَّه نِداءً خَفيّاً
﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
بين (نادى) و(خفيّاً).. وجد قلبه..
لَفَظَ كلّ هُمومه كما لَفَظ الحوتُ يونُسَ مِن بَطنه؛ بَعد دُعَاءٍ كَدُعاءِ غَرِيق يَنْشدُ الحَياة..
لفظَ كلّ زَفَراتٍ تَعالت فِي قَلبه؛ لكنّها عَلى عُلوّها كَانت خَفيّة.. [لا يَعلمُها إِلّا الله]..
مَدَّ حَبْل اليَقِين، وصَعَد عَليهِ خَفيفاً كَفُؤَادِ طَيرٍ أَرْضَاهُ الله..
ذَاك الحَبْل الذي مَا انْقَطَع أَبَداً مُنْذُ أَنْ كَانَت وجهتهُ (الله)..
كلّما قال: يا رب.. يرى كلّ أُمنياته التي كَان قَلبُه يَتُوقُ لَها، والتّي ظَلّ يُنَادِي الله يَدْعُوه بِهَا؛ بِأَنَّ أَرْضَاهُ الله بها وزَاده ايهابا..
هذا القلب كلما قال: يا (الله)..
يعدّ كل آماله التي زرعها يوماً على عينك، وسَقَاهَا مِنْ دَمْعهِ فِي حَضْرتك..
فيرى - بدهشة- عظيمَ كرمِك بأنْ أينعت، وأورقت، واستظلّت بها قلوبٌ كثيرة..
(نادى).. وقد كان يتكئ في دُعَائِه عَلى مَا بينه وبين الله مِنْ خَبِيئَة..
ويَقُول؛ "سبحان من جعل قرة عيني في الدعاء"..
أَنْ تُنَادِي دُونَ هَمْس.. أَنْ تتكلّم دُونَ بَوْح.. أَنْ تَضَع يَدِكَ عَلى قَلْبك وكُلّك يَقِين؛ بأنّهُ يَسْمَعُ ويَرَى..
إنّها والله لَحَظاتٌ مِن نَعِيم مُعَجّل!..
لا يُوفّق لَها إِلا مَن تَبَرَّأ مِن حَوله وقوته، إلى حَولِ الله وقُوّتِه وسلطانه العظيم..
مَن أَدَامَ اللجُوء إِلى الله مِن بَاب "الذُلّ"؛ حتّى أَدْمَنَ طَرق البَاب..
لا يَبْرح على عَتَباته، حتّى يَفْتَحُ الله لَه؛ لَعلّه يَذُوق طُمَأْنِينَة القَلْب وَسَكِينَة الرُّوح..
لَعلّهُ يُعَان مِنَ الله تعالى بكلّ خُطُوَاتِه وَأَفْعَاله وأَعْمَاله وَكُلّ أَنْفَاسه..
إِنّما هُو "حبّ"..
لا يُغْنِي عَنْهُ؛ حُبّ كلّ "مَن" فِي الأرض، و "ما" في الأرض..
حبٌّ تَقْتاتُ عَليه القُلوب، وتَخرُّ أَمَامهُ خَاشِعَة، تَتَلَقَّى أَنْوَاره بالليل في ركعاتٍ صَادقات..
إنها تلك "الخلوة المثمرة" التي تُنبتُ في القلب مكامن نور وقناديل مضيئة..
إنها سَاعة الإِيمَان التّي يَخْلُو بِهَا العَبْد مَع رَبّه، يَزِيل عَنْه كلّ أَلْقَابِ الدّنيا، يلقي كُل ما انشغلَ به فكرُه وكل ما عَلق في ذهنه في نهار العاملين.. ليبدأ ليله متخفّفاً من كل ما يذكّره بالدنيا..
ليبدأ رحلة الليل التي لا يذوق حلاوتها سوى من كان شعاره فيها "مع الله"..
رغم انقِطاع الأَسبَاب عن زكريَّا -عليه السلام- إلّا أنه دَعا ربِّه بالذُّرية الصَّالحة وهُو يعلم أنه بلغ من الكِبر عتيًا واشتعل رأسهُ شيبًا وكانت امرأَتُهُ عَاقِر..
﴿…هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ( ٣٨ ) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين…﴾
وهناك في محراب العِبَادة واللجوء..
هناك حيثُ سكن الرّوح ومنطلق الفتوحات..
نادى ودعا زكرياّ رَبِّه فوهبهُ اللَّه ما طلب.. بل أكثر..
ونادَتهُ الملائِكةُ وهُو قائِمٌ يُصلِّي في المِحراب أنَّ اللَّه يُبشِّرُك بِيَحيَىٰ.. لقد بَشرهُ اللَّه بيحيى رُغم انقطاع الأسبَاب..
وليس الأَمر بشارة يحيى وحسب !
بل أكثر مما طلب ودعا به زكريا..
كان الحُلم نجمة فأعطاهُ الله القَمر..
اصطفى الله هذا الولد؛ وجعلَهُ مُصَدّقاً بكلمةٍ منه، وسيّداً في قومه، وحصوراً -أي عفيفاً عن الشهوات-، ونبيّاً من الصالحين!
ثِقْ تماماً أنّ الله سيمنحك بأكثر مما دعوت به وطلبت..
ولكن نظرك القاصر يُحيط ببعضها أحياناً ويفطن..
وأحياناً كثيرة يغفل..
المهم أن لا تتوانى في سؤال الله أبداً..
ولا تتوانى بالطمع في الدعاء والإكثار، فالله أكثر وأكبر-سُبحانه وتعالى-..
لا تتوقف عن الدُّعاءِ، مهما ضعفت الأسبَاب وقلّت وانعدمت، فأنت تَسأل رَبّ الأسباب الكريم، ذو العطاء العظيم..
واعلَم أَنَّك ذاتَ يومٍ سترى أثر كُلِّ دعوة كُنت تُلِحُّ بِهَا على اللَّه؛ فلا تيأَس..
الدُّعَاء يُغيِّر القدر، الدُّعاء يرُدّ القضاء، الدُّعَاء سيَصنع المُستحيلات في عينيك، الدُّعَاء سَهم اللَّه الَّذي لا يُخطِئ، حتماً سيستجيب.. إنهُ اليقين بِربٍّ مُجيب..
﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
كم من همسةِ تضرّع رُفعت من محراب الخفاء فاهتزت لها أبواب السماء..
﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
الله يسمع كل همسة تهمسها له، وكل شكوى تشكوها له حتى لو لم تنطقها، وتأكد أن رجاءك بالله لن يخيب.. وستأكّد لك الأيام هذا..
فإذا وقفت بباب ربّك سائلًا؛
جهّز فؤادك.. لا تجهّز أحرُفك..
وقُل لَه وإنْ كَانَ يعلم ما سَتقُول..
علمني يا الله؛
كيف أصبُ الهمّ في سجدة..
وعلمني يا الله؛
كيف أتقي شرّ جهنم بشقِ تمرة وأكثر..
كيف أُواري سوءة قلبي بـ “توبةٍ صادقة”..
كيف أَسْلُك دَربًا تُحبه..
كَيفَ أنفَضُ عن جُموع الهالكين..
كيف أُترجم حُبّك القَاطِن بِدَاخِلي؛
إلى عملٍ مُنتهاه جنتك..
زَكريّا في وصْفِ القُرآن..
لَم يَزِد على أن؛ ﴿نادَى ربَّه نداءً خَفيّا﴾..
همَس فيه بأرَقٍ؛ خَبّأه في كلِّ سنوات عُمره..
﴿وكانَت امْرَأتي عاقِراً ﴾!
لقدْ كان الهَمْس ليلاً.. في مكانٍ قَصيٍّ عن سَمعِ النّاس، و فُضول النّاس، وأسئلة الناس!
هَمْس بِحاجَتِه الفِطرية لِمن بيدهِ مَقاليد الأمر، ومفاتيح الفرَج!
﴿فَهبْ لي من لدُنك وليّاً﴾..
هَمَس بها لله وحده؛ دون أن يَهتِك سِتر ما بينه و بين زوجِه..
بلْ قدّم في أول الدُّعاء؛ ضَعفه.. فهو الذي؛ ﴿وَهَن العَظم﴾ منه ﴿واشتَعل الرَّأسُ شَيبا﴾!
وهذهِ قمّة الرُّقي في العَلاقة الزوجيّة..
كأنّما يعتَذر عن زوجته، ويَحمل العِبء عنها.. ويستر عيبها!
ويَصف ضَعفه.. ويسأل ربّه مَخرجاً؛ لا يَنقِض العَلاقة العَتيقة بين القلبين!
سَتَر زكريا النّقص.. فأتمّ الله له الأمر على أجملِ ما يكون..
إذْ جاءه يَحيى؛ ﴿بَرّاً بوالِديه﴾!
كلاهما.. فقدْ استحقّ الزَّوجان برّ الولد؛ لبرٍّ خفيٍّ بينَهما!
وبثَّ الشّكوى لربِّه.. فجاءَته البُشرى؛ ﴿لَم نَجعل له مِن قبلُ سَميّا﴾!
إذْ لا يَليق بموقِفه الذي ليْس له مثيل؛ إلا طفلاً ليسَ له مَثيل!
الأنبياءُ مدرسةٌ في الحَياة..
والقُرآن؛ هو وثيقةُ التَّعليم الحقيقية..
وهو وثيقة الأدب الرفيع!