لا بِرَّ بِلا بَذْرٍ
وَلا طَاعَةَ بِلا بِضَاعَةٍ
ooooooooo
وَمَنْ يَزْرَعِ الْمَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ *** يُلَاقِي كَمَا لَاقَى مُجَرِّبُهُ النَّدَمَا
اِعْلَمْ أَنَّ الْبِرَّ وَالطَّاعَةَ لا تُرْتَجَى مِمَّنْ لَمْ تُغْرَسْ فِي نَفْسِهِ بَذْرَتُهَا، وَلا مِمَّنْ لَمْ تُودَعْ فِي صَدْرِهِ بِضَاعَتُهَا..
كَثِيرُونَ يَشْتَكُونَ من عُقُوق الأبناء، وَيَتَمْتَمُونَ بِشَكْوَى التَّمَرُّدِ، وَيُطِيلُونَ الْحَدِيثَ عَنْ ضَيَاعِ الْهَيْبَةِ وَخُفُوتِ الطَّاعَةِ، لَكِنْ قَلِيلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُونَ أَنْفُسَهُمْ:
هَلْ زَرَعْنَا مَا نَطْلُبُ أَنْ نَحْصُدَ؟ وَهَلْ سَقَيْنَا مَا نَنْتَظِرُ أَنْ يُثْمِرَ؟
إِنَّ الْأَبَ الَّذِي يُطَالِبُ وَلَدَهُ بِالْبِرِّ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ تَعْلِيمِهِ، وَقَصَّرَ فِي تَأْدِيبِهِ، وَتَغَيَّبَ عَنْ وِجْدَانِهِ،
هُوَ كَزَارِعٍ أَلْقَى الْبُذُورَ فِي سَبَخَةٍ، ثُمَّ تَسَاءَلَ آخِرَ الْمَوْسِمِ: "أَيْنَ الزَّرْعُ؟"
كَيْفَ يُبِرُّ مَنْ لَمْ يُرَبَّ؟ وَكَيْفَ يُحْسِنُ مَنْ لَمْ يُعَلَّمْ؟
أَتُبْذَرُ الْبِلَادُ مِلْحًا، ثُمَّ تَطْلُبُهَا قَمْحًا؟!
كَيْفَ يَعْرِفُ الْإِحْسَانَ وَهُوَ لَمْ يَرَ الْإِحْسَانَ!
كَيْفَ يُطَبِّقُ الْبِرَّ وَهُوَ لا يَعْرِفُ الْبِرَّ وَلَمْ يَرَهُ!
كَيْفَ يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ وَلَمْ يَجِدْ لَهَا في بِلاطَ الْبَيْتِ قُدْوَةً!
وَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ الَّذِي يَدْخُلُ فَصْلَهُ مُتَطَلِّبًا الْاحْتِرَامَ، مُنْتَظِرًا الْهَيْبَةَ، وَهُوَ لَمْ يُعْطِ عِلْمًا نَافِعًا، وَلا خُلُقًا جَاذِبًا، وَلا صَبْرًا جَمِيلًا مَأْلُوفًا.. فَقَدْ بَذَرَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُـمَهَّدَةٍ، وَأَرَادَ مِنْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ مَا لَمْ يَضَعْ فِيهَا..
وَكَانَ دَرْسُهُ كَلِمَاتٍ بَارِدَةٍ لا تُلَامِسُ الْقُلُوبَ، وَمَوَاقِفُ جَامِدَةٌ لا تُحَرِّكُ وَلا تَجُوبُ!
فَهُوَ يُطَالِبُ بِسُلُوكٍ مُغَطًّى بِحُجُبِ التَّفْرِيطِ السَّابِقَةِ، وَأَنْقَاضِ الْأُحَادِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَعْمَلْ جَانِبَ التَّكَامُلِيَّةِ!
لِأَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ هُنَاكَ تَكَامُلِيَّةٌ وَلَيْسَتْ قَائِمَةً عَلَى طَرَفٍ دُونَ آخَرٍ..
بِضَاعَةُ الْقُلُوبِ لَيْسَتْ أَوَامِرَ وَلا شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةٍ.. بَلْ قُوتُ شَرِيعَةٍ وَمَاؤُهَا الرَّيَّانُ عَمَلٌ؛ وَرِفْقٌ، وَعَدْلٌ، وَصِدْقٌ، وَمِثَالٌ يُحْتَذَى، لا خِطَابٌ يُرْتَجَى..
وَالْقَاضِي، إِنْ لَمْ يُقِمْ مِيزَانَ الْعَدْلِ، فَلَنْ تَبْقَى الْهَيْبَةُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ..
مما يُقال "النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ"، أَيْ عَلَى هَيْئَةِ مَنْ يَتَقَدَّمُهُمْ وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ الرَّاعِي؛ اسْتَقَامُوا، وَإِنْ مَالَ، تَبِعُوهُ فِي مَيْلِهِ..
وَالْمُشْرِفُ عَلَى طُلَّابِهِ، وَالْمُدِيرُ فِي مُؤَسَّسَتِهِ، وَالأُمُّ فِي بَيْتِهَا، وَالأَخُ الأَكْبَرُ فِي عَائِلَتِهِ، كُلُّهُمْ وُلاةٌ عَلَى قَدْرِ مَسْؤُولِيَّاتِهِمْ..
وَكُلُّهُمْ يُسْأَلُونَ:
هَلْ أَعْدَدْتُمُ النُّفُوسَ لِلطَّاعَةِ؟
هَلْ قَدَّمْتُمُ الْبِضَاعَةَ الَّتِي تَلِيقُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا طَلَبُ الطَّاعَةِ؟!
"لا بَرَّ بِلا بَذْرٍ، وَلا طَاعَةَ بِلا بِضَاعَةٍ."
هَذِهِ لَيْسَتْ عِبَارَةً بَلَاغِيَّةً، بَلْ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ وَالْكَوْنِ، وَفِطْرَةٌ مِنْ فِطَرِ النُّفُوسِ، وَعَدْلٌ لا يَمِيلُ..
خِتَامًا؛ أَذْكُرُ فِي هَذَا السِّيَاقِ قِصَّةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ كَتَبَ إِلَيْهِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا يَسْتَأْذِنُهُ فِيهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ قَدْ سَاءَتْ وَتَمَرَّدَتْ رَعِيَّتُهُمْ وَإِنَّهُ لا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ..
فَأَجَابَهُ عُمَرُ وَقَالَ: كَذَبْتَ يَا جَرَّاحُ يُصْلِحُهُمُ الْعَدْلُ وَالْحَقُّ فَابْسُطْ ذَلِكَ فِيهِمْ وَالسَّلَامُ..